الشيخ محمد هادي معرفة
108
تلخيص التمهيد
وقع في خاطر عمر ، فيكون من قبيل الإلهام ، ويحتمل أن يكون فهم ذلك من نهي الاستغفار . قال ابن حجر : وما قاله القرطبي أقرب ، لأنّه لم يتقدّم نهي عن الصلاة على المنافقين ، بدليل أنّه قال في آخر الحديث : فأنزل اللَّه « وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً » ؟ ! وثانياً : كيف علم عمر أنّ الصلاة على المنافق محرّمة في الشريعة ، ولم تنزل بتحريمها آيةٌ بعدُ - كما نبّه عليه ابن حجر - ؟ ! أفهل يجوز أن يُلهم عمر بما لا يعرفه مبلّغ الشريعة ؟ ! وقد حاول ابن حجر محاولة أخرى في حلّ هذه المشكلة الثانية بما زاد وهناً في وهن وابتعاداً عن الحقيقة أكثر . فقد أخرج عن ابن مردويه : أنّ عمر قال له صلى الله عليه وآله : أتصلّي عليه وقد نهاك اللَّه أن تصلّي عليه ! فقال له النبي صلى الله عليه وآله : أين ؟ قال : قال : « اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ . . . » . قال ابن حجر : فكان عمر قد فهم من هذه الآية ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب ، من أنّ « أو » ليست للتخيير ، بل للتسوية ، في عدم الوصف المذكور . قال : وفهم عمر أيضاً من قوله تعالى : « سَبْعِينَ مَرَّةً » أنّها للمبالغة ، وأَنّ العدد المعيّن لا مفهوم له ، بل المراد نفي المغفرة لهم ولو كثر الاستغفار ، فيحصل من ذلك النهي عن الاستغفار ، فأطلقه . وفهم أيضاً أنّ المقصود الأعظم من الصلاة على الميّت طلب المغفرة للميّت والشفاعة له ، فلذلك استلزم عنده النهي عن الاستغفار ترك الصلاة . قال : ولهذه الأمور استنكر على النبي صلى الله عليه وآله إرادة الصلاة على عبد اللَّه بن ابيّ . قال : هذا تقرير ما صدر عن عمر ، مع ما عرف من شدّة صلابته في الدين ! « 1 » . يا للعجب من عقلية ابن حجر ، كيف يتصوّر من عمر عملاقاً في فهم قضايا الدين والوقوف على مزايا اللغة ، ممّا غفل عنه مثل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الذي هو مبلّغ الشريعة وأفصح من نطق بالضاد ؟ !
--> ( 1 ) فتح الباري : ج 8 ص 252 .